محمد بن جرير الطبري
518
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
إلى عبادته ، وكان أبيا عابد أصنام ، له صنمان يعبدهما من دون الله ، ويدعو الناس إلى عبادتهما ، حتى أضل عامه بني إسرائيل ، وكان يعبد الأصنام حتى توفى ثم ملك ابنه اسا من بعده ، فلما ملكهم بعث فيهم مناديا ينادى : الا ان الكفر قد مات وأهله ، وعاش الايمان وأهله ، وانتكست الأصنام وعبادتها ، وظهرت طاعه الله وأعمالها ، فليس كافر من بني إسرائيل يطلع رأسه بعد اليوم بكفر في ولايتي ودهري ، الا انى قاتله فان الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ، ولم يخسف بالقرى ، ولم تمطر الحجارة والنار من السماء الا بترك طاعه الله ، واظهار معصيته ، فمن اجل ذلك ينبغي لنا الا نقر لله معصية يعمل بها ، ولا نترك طاعه لله الا أظهرناها جهدنا ، حتى نطهر الأرض من نجسها ، وننقيها من دنسها ، ونجاهد من خالفنا في ذلك بالحرب والنفي من بلادنا . فلما سمع ذلك قومه ضجوا وكرهوا ، فاتوا أم اسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم وبآلهتهم ، ودعاءه إياهم إلى مفارقه دينهم ، والدخول في عباده ربهم ، فتحملت لهم أمه ان تكلمه وتصرفه إلى عباده أصنام والده ، فبينا الملك قاعد وعنده اشراف قومه ورؤوسهم وذوو طاعتهم ، إذ أقبلت أم الملك فقام لها الملك من مجلسه ، وامرها ان تجلس فيه ، معرفه بحقها ، وتوقيرا لها فأبت عليه وقالت : لست ابني ان لم تجبني إلى ما أدعوك اليه ، وتضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به ، وتجيبني إلى امر ، ان أطعتني فيه رشدت وأخذت بحظك ، وان عصيتني فحظك بخست ، ونفسك ظلمت انه بلغني يا بنى انك بدأت قومك بالعظيم ، دعوتهم إلى مخالفه دينهم ، والكفر بآلهتهم ، والتحول عما كان عليه آباؤهم ، وأحدثت فيهم سنه ، وأظهرت فيهم بدعه ، أردت بذلك - فيما زعمت - تعظيما لوقارك ، ومعرفه بمكانك ، وتشديدا لسلطانك ، وفي التقصير يا بنى دخلت ، وبالشين أخذت ودعوت جميع الناس إلى حربك ، وانتدبت لقتالهم وحدك ، أردت بذلك ان تعيد الأحرار لك عبيدا ، والضعيف